الشنقيطي
145
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر ؟ قال ابن عباس : بلى ، كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر ، فلما رأى الناس يعني : عمر قد تتابعوا فيها ، قال : أجيزوهنّ عليهم . وللجمهور عن حديث ابن عباس هذا عدة أجوبة . الأول : أن الثلاث المذكورة فيه التي كانت تجعل واحدة ، ليس في شيء من روايات الحديث التصريح بأنها واقعة بلفظ واحد ، ولفظ طلاق الثلاث لا يلزم منه لغة ولا عقلا ولا شرعا أن تكون بلفظ واحد ، فمن قال لزوجته : أنت طالق ، أنت طالق ، أنت طالق ، ثلاث مرات ، في وقت واحد . فطلاقه هذا طلاق الثلاث ؛ لأنه صرح بالطلاق فيه ثلاث مرات ، وإذا قيل لمن جزم بأن المراد في الحديث إيقاع الثلاث بكلمة واحدة ، من أين أخذت كونها بكلمة واحدة ؟ فهل في لفظ من ألفاظ الحديث أنها بكلمة واحدة ؟ وهل يمنع إطلاق الطلاق الثلاث على الطلاق ؛ بكلمات متعددة ؟ فإن قال : لا يقال له طلاق الثلاث إلا إذا كان بكلمة واحدة ، فلا شك في أن دعواه هذه غير صحيحة ، وإن اعترف بالحق وقال : يجوز إطلاقه على ما أوقع بكلمة واحدة . وعلى ما أوقع بكلمات متعددة ، وهو أسعد بظاهر اللفظ ، قيل له : وإذن فجزمك بكونه بكلمة واحدة لا وجه له ، وإذا لم يتعين في الحديث كون الثلاث بلفظ واحد سقط الاستدلال به من أصله في محل النزاع . ومما يدل على أنه لا يلزم من لفظ طلاق الثلاث في هذا الحديث كونها بكلمة واحدة ، أن الإمام أبا عبد الرحمن النسائي مع جلالته وعلمه وشدة فهمه ، ما فهم من هذا الحديث إلا أن المراد بطلاق الثلاث فيه ، أنت طالق ، أنت طالق ، أنت طالق . بتفريق الطلقات ؛ لأن لفظ الثلاث أظهر في إيقاع الطلاق ثلاث مرات . ولذا ترجم في سننه لرواية أبي داود المذكورة في هذا الحديث . فقال : « باب طلاق الثلاث المتفرقة قبل الدخول بالزوجة » ثم قال أخبرنا أبو داود سليمان بن سيف قال : حدثنا أبو عاصم عن ابن جريّج عن ابن طاوس عن أبيه : أن أبا الصّهباء جاء إلى ابن عبّاس رضي اللّه عنهما فقال يا ابن عبّاس : ألم تعلم أنّ الثّلاث كانت على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر تردّ إلى الواحدة ؟ قال نعم ، فترى هذا الإمام الجليل صرح بأن طلاق الثلاث في هذا الحديث ليس بلفظ واحد بل بألفاظ متفرقة ، ويدل على صحة ما فهمه النسائي رحمه اللّه من الحديث ما ذكره العلامة ابن القيم رحمه اللّه تعالى في زاد المعاد في الرد على من استدل لوقوع الثلاث دفعة ، بحديث عائشة : أن رجلا طلق امرأته ثلاثا فتزوّجت . الحديث : فإنه قال فيه ما نصه : ولكن أين في الحديث أنه طلق الثلاث بفم